المجمع العربي للمترجمين المحترفين

 

 

جمعية المترجمين العراقيين

عضو

الرئيسيةالنشاطاتاتصل بنافرانسيس بيكون

الرئيسية | النشاطات | اتصل بنا | فرانسيس بيكون | English

أول موقع عراقي للترجمة على الإنترنت

 

 

 

فرانسيس بيكون (1561 - 1626)

ترجمة: مظفر جاسم محمد

المصدر: Internet Encyclopedia of Philosophy.

 

 

السير فرانسيس بيكون (وفيما بعد لورد فيرولام وفيكونت سانت البانس)، المحامي الإنكليزي ورجل الدولة وكاتب المقالات والمؤرخ والمصلح الفكري والفيلسوف ورائد العلم الحديث. ادعى في بداية مسيرته "أن جميع المعارف الإنسانية من اختصاصه" ولكنه كرس حياته بعد ذلك إلى إعادة شاملة لتقييم وبناء التعليم التقليدي. وقد أعد نظاماً جديداً بالكامل، لكي يأخذ مكان التقليد الراسخ (مزيج المدرسية والفلسفة الإنسانية والسحر الطبيعي)، يستند إلى مبادئ تجريبية واستقرائية وإلى التطور الإيجابي للمهارات والمخترعات الجديدة، ذلك النظام الذي كانت غايته القصوى إنتاج المعارف العملية لكي "يستخدمها الإنسان وينتفع بها" ولتحسين الظروف الحياتية للإنسان.

وفي نفس الوقت الذي كان بيكون يؤسس فيه لهذا المشروع الجديد للنهوض بالعلم، كان أيضا يرتقي المناصب في الدولة. إلا أن طموحاته المهنية كثيراً ما خابت أيام حكم الملكة إليزابيث الأولى، لكن مع جلوس الملك جيمس على العرش ارتفعت حظوظه السياسية. رُقِّيَ إلى رتبة فارس في العام 1603، وبعدها استمرت ترقيته إلى سلسلة من المناصب، من ضمنها وكيل المدعي العام (1607) والمدعي العام (1613) وأخيراً قاضي القضاة (1618). وأثناء عمله كرئيس لمجلس اللوردات، اتُّهِمَ بالرشوة وأُجبِرَ على ترك المكتب العام. بعدها اعتزل في مزرعته وكرس كامل وقته لأعماله الأدبية والعلمية والفلسفية المتواصلة. توفي عام 1626، تاركاً ورائه إرثاً ثقافياً، يتضمن، بحسناته وسيئاته، معظم أسس نجاح التكنولوجيا والعالم الحديث كما نعرفه الآن.

 1-    حياته وعمله بالسياسة

ولد السير فرانسيس بيكون (فيما بعد لورد فيرولام وفيكونت سانت البانس وقاضي القضاة) في لندن عام 1561 لعائلة معروفة. والده السير نيكولاس بيكون، حامل الأختام، ووالدته ليدي آن كوك، ابنة السير أنتوني كوك، الفارس والمعلم الخصوصي السابق للعائلة المالكة. كانت ليدي آن سيدة متعلمة بجهدها الذاتي، فتعلمت الإغريقية واللاتينية والإيطالية والفرنسية. وكانت أخت زوجة السير توماس هوبي، المترجم الإنكليزي المرموق من كاستيجليون والسير وليام سيسيل (وفيما بعد اللورد بيرغلي) رئيس الخزينة وكبير مستشاري إليزابيث الأولى والرجل الأكثر نفوذا في إنكلترا للفترة 1572 – 1598.

كان تعليم بيكون في البيت في مزرعة العائلة في غورهامبري – هيرفوردشاير. وفي عام 1573، عندما بلغ الثانية عشرة، دخل كلية ترينتي في كامبريدج، هناك حيث المنهاج المدرسي الممل الذي أطلق العنان لمعارضته للأرسطوطاليسية طيلة حياته (بالرغم من أنها لم تكن معارضة لأعمال أرسطوطاليس نفسه).

في عام 1576، بدأ بيكون بدراسة القانون في دار غراي للطلبة. ولم تمض سنة حتى قطع دراسته ليتولى منصباً في الخدمة الدبلوماسية في فرنسا كمساعد للسفير. في عام 1579، وأثناء إقامته في فرنسا، توفي والده تاركاً إياه (وهو الابن الثاني من الزواج الثاني وأصغر الورثة الستة) في ضائقة مادية. وعاد إلى إنكلترا بلا منصب ولا أرض ولا دخل ولا أمل قريب.

استأنف بيكون دراسة القانون وحصل على الشهادة عام 1582، وفي عام 1588 تم تعيينه محاضراً في الدراسات القانونية في دار غراي للطلبة. وفي نفس الأثناء، تم انتخابه للبرلمان في عام 1584 نائباً عن ميلكومب – دورسيتشاير. واستمر في البرلمان ممثلاً عن العديد من الدوائر الانتخابية للسنوات الست والثلاثين التالية.

في عام 1593، تسبب نقده اللاذع لفرض الضرائب الجديدة إلى تدهور آماله المهنية، فقد رأت الملكة في معارضته إهانة شخصية،.  وتلاشت كل أحلامه في أن يصبح وكيل المدعي العام أو المدعي العام في أيام حكمها، بالرغم من أن إليزابيث لانت في نهاية الأمر بحيث عينت بيكون مستشاراً فوق العادة لها في عام 1596.

وفي ذلك الوقت دخل بيكون في خدمة روبرت ديفرو، إيرل إسيكس، وهو رجل حاشية أنيق وجندي ومخطط مؤامرات والمحبب في بعض الأحيان من قبل الملكة.  وبلا شك فإن بيكون قد رأى إيسيكس نجمة عالية وصورة قد تعطي دعماً يحتاجه في مهنته المتدنية. ولكن لسوء الحظ، لم تمر فترة طويلة حتى تدهورت حظوظ إيسيكس بعد سلسلة من التخبطات السياسية والعسكرية بلغت أقصى درجاتها في محاولات انقلابية مشؤومة. وعندما فشلت خطة المؤامرة، تم إلقاء القبض على ديفرو وحوكم وتم إعدامه في نهاية الأمر، بوجود بيكون بصفته مستشاراً للملكة وهو يلعب الدور الرئيسي من جانب الادعاء في القضية.

في عام 1603، خلف إليزابيث الملك جيمس الأول، وتعززت آمال بيكون في الترقية بشكل كبير. وبعد ترقيته لرتبة فارس من قبل الملك، ارتقى سلم الدولة بسرعة، وتولى بين 1604 و 1618 سلسلة من المناصب الاستشارية العليا:

1604 – عُيِّنَ مستشاراً للملك.

1607 – عيِّن وكيل المدعي العام.

1608 – عيِّن كاتباً للمحكمة الخاصة.

1613 – عُيِّن المدعي العام.

1616 – أصبح عضواً في الجمعية السرية.

1617 – عُيِّن حامل الأختام الملكية (المكتب السابق لوالده).

1618 – أصبح قاضي القضاة.

وتمتع بيكون، كقاضي القضاة، بدرجة من النفوذ والتأثير لا يستطيع تخيل غيرها كمحامي شاب يبحث عن الترقية. ولكن ذلك الوقت الذي تربع فيه على قمة النجاح هو نفس الوقت الذي واجه فيه الإخفاق الكبير. ففي عام 1621 تم إلقاء القبض عليه بتهمة الرشوة. وبعد إدانته، تعرض إلى غرامة كبيرة وحكم عليه بالسجن لمدة في برج لندن. وبالرغم من أن الغرامة قد رُفِعت عنه فيما بعد وأنه أمضى أربعة أيام فقط في السجن، إلا أنه لم يُسمَح له بحضور جلسات البرلمان أو القيام بمهام سياسية بعد ذلك.

الحدث بمجمله كان مخزياً جداً لبيكون شخصياً ووصمة عار خدشت سمعته لسنوات. وبالرغم مما أشار إليه مختلف مؤرخي هذه القضية، بأن قبول الهدايا من قبل مقدمي الطلبات لأي قضية قانونية كان أمراً شائعاً في أيام بيكون، وكذلك فإن بيكون في الواقع انتهى إلى الحكم ضد المتداعيَين الذَين قدما تلك الرشاوى المشؤومة. لكن الضرر حدث وبيكون، ونظراً لمصداقيته، قبل الحكم ضده بدون أي عذر. فحسب مقالاته، أو استشاراته،  كان يجب أن يكون اطلاعه وأداؤه أفضل. (وفي هذا الخصوص من الجدير ملاحظة أن بيكون أثناء اعتزاله الإجباري قام بتنقيح وإعادة نشر المقالات مدخلاً درجة أعلى من العنف في مجموعة معروفة أصلاً بدنيويتها وحسها السياسي الشديد). وأوضح مكاولي في مقالة مطولة أن بيكون فكر عظيم ولكنه (مستعيراً عبارة من رسائل بيكون) "أكبر مظلل"، وقد اعتبره أكثر من كاتب على أنه لا أبالي وأناني ومتكبر. إلا أنه، ومهما كانت أخطائه، حتى أعدائه اعترفوا بأنه تقبل العقاب أثناء محاكمته بكل نبل وترك المكان.

أمضى بيكون سنواته المتبقية عاملاً بعزم متواصل على مشروع حياته: الإصلاح العلمي وتأسيس مجتمع مفكر مكرَّس لاكتشاف المعارف العلمية لكي "يستخدمها وينتفع بها الإنسان". وتوفي في 9 نيسان 1626، بسبب البرد أو ذات الرئة التي أصيب بها عند إجرائه اختباراً لنظريته في خواص الحفظ والعزل للثلج.

2-    فكره وكتاباته

إن انحدار بيكون من عائلة متنفذة سياسياً يعتبر عاملاً إيجابياً لأنه مثل تحرراً من عبودية الحياة العامة أنتج في النهاية انفجاراً في النشاط العلمي والأدبي. فكما يذكرنا بريان فيكرز، أكاديمي متخصص في عصر النهضة وخبير في فرانسيس بيكون، بأن الأعمال الأولى لبيكون، المؤثرة، كانت في الأساس نتاجاً لـ"وقت فراغه". فقد تمكن فقط في السنوات الخمس الأخيرة من حياته من التركيز حصراً على الكتابة والتأليف بالإضافة إلى حفنة من القطع الأدبية الصغيرة:

·        مجلدين ضخمين في التاريخ والسيرة، تاريخ عهد الملك هنري السابع وتاريخ عهد الملك هنري الثامن.

·        نسخة لاتينية موسعة من عمله السابق النهوض بالعلم.

·        إصدار عام 1625 الأخير من المقالات، أو الاستشارات.

·   عمله البارز غابة المواد، أو التاريخ الطبيعي في عشرة قرون (خليط غريب من التجارب العلمية والمشاهدات الشخصية والتخمينات والتعاليم القديمة والمناقشات التحليلية لمواضيع تتراوح من أسباب الإصابة بالحازوقة إلى تعليل شحة المطر في مصر). وقد تعمد تقسيمه إلى عشرة "قرون" (أي عشرة فصول، يتألف كل منها من مائة فقرة)، ومن الواضح أنه كان يهدف إلى ضم العمل إلى الجزء الثالث من الإحياء العظيم.

·        رواية الخيال العلمي أطلانطا الجديدة، التي نشرت بشكل غير مكتمل بعد سنة من وفاته.

·        أجزاء مختلفة من عمله الأهم الإحياء العظيم، من ضمنها "التاريخ الطبيعي للرياح" و"التاريخ الطبيعي للحياة والموت".

وقد مثلت هذه النتاجات الأخيرة قمة أعماله في الكتابة والتي استغرقت أكثر من أربعة عقود وشملت كامل منهج الدراسات الأدبية والعلمية والفلسفية.

 ‌أ)       الأعمال الأدبية

بالرغم من الدعوات المتعصبة (والسذاجة غير البيكونية الشديدة) للقليل من المعجبين، فمن المؤكد فعلاً أن بيكون لم يكتب الأعمال التي نسبت إلى وليام شكسبير. ومع ذلك، فإن مكانته العالية في تاريخ الأدب الإنكليزي بالإضافة إلى دوره الفعال في تطور أسلوب النثر الإنكليزي ستبقى راسخة جداً. وحقيقةً، لو أن بيكون لم يؤلف سوى المقالات الرائعة (التي نشرت لأول مرة في 1597 ومن ثم نقحت ووسِّعَت في 1612 و 1625)، فإنه كان سيبقى من بين مؤلفي القمة في القرن السابع عشر. وكذلك إذا ما أخذنا في الحسبان كتاباته الأخرى، مثلاً أعماله في التاريخ ورسائله وخصوصاً أعماله الفلسفية والعملية الرئيسية، فلا بد لنا من أن نضعه في الصف الأول لأعظم رجال الأدب الإنكليزي ومن بين أروع أساتذته في النثر غير الروائي (جنباً مع أسماء مثل جونسون وميل وكارليل وروسكين).

وبالرغم من أناقة أسلوب بيكون، إلا أنه ليس بالبساطة التي يبدو عليها أو التي غالباً ما يوصف بها. في الواقع هو علاقة معقدة نوعاً ما، تحقق فضائها من السهولة والوضوح بشكل أفضل عبر إيقاعاتها المتوازنة والاستعارات الطبيعية والتناسقات المعدة بدقة مما لو استخدمت كلمات بسيطة وأفكاراً مألوفة وإعراباً مباشراً. (في هذا الشأن تجدر ملاحظة أن النسخ المنقحة من المقالات يبدو فيها أن بيكون قد تعمد تأخير العديد من أعماله المعتدلة السابقة للخروج بأسلوب أكثر خشونة و، في تأثيره، أكثر تحدياً للقارئ الطارئ).

علاوة على ذلك، فأن أسلوب بيكون الشخصي وعاداته المعيشية كانت تميل إلى التطرُّف ولم تكن بسيطة أبداً، وأيضاً لم يكن في كتاباته قادراً في بعض الأحيان على مقاومة كلمات الغرور أو العبارات الفخمة أو الجمل الرنانة (حيث لاحظ د. جونسون أنه "من الممكن جمع قاموس للغة الإنكليزية من أعمال بيكون وحده"). والمطران سبارت كرّم بيكون في كتابه تاريخ الجمعية الملكية 1667 وأثنى على أعضاء الجمعية لأنهم، من المفترض،  كانوا سيتنازلون عن الكلمات الرقيقة وعبارات الوهم ويلتزمون بدلاً من ذلك بالوضوح الطبيعي و"البساطة الرياضية". واقترح سبارت أن الكتابة  بهذه الطريقة تتطلب إتباع المبادئ العلمية البيكونية الحقيقية. وبينما كان بيكون نفسه غالباً ما يعبر عن آراء مشابهة (الثناء على التعبيرات الفضة أثناء إدانة إغراءات اللغة المجازية)، فإن القارئ سيكون منزعجاً بشدة عندما يجد عدة أمثلة من تلك التكنيكات الإضافية غير المنظمة في كتابات بيكون نفسه. إن قارئ بيكون المعاصر يستثني على الأقل النظرة إلى كتاباته على أنها كانت تمثل نموذجاً للغة البسيطة والمعاني الشفافة. وبعد دراسة الملك جيمس (الذي أهدى إليه بيكون العمل بفخر) للأورغانون الجديد، أبدى رأيه في العمل قائلاً "كمثل صمت الإله، الذي يطغى على كامل الفهم".

‌ب)   أطلانطا الجديدة

رواية بيكون أطلانطا الجديدة، كأحد الأعمال القصصية، يمكن تصنيفها عملاً أدبياً أكثر منه علمياً (أو فلسفياً)، بالرغم من أنها تنتمي فعلاً إلى كلا الفئتين. وحسب سكرتير بيكون وأول من كتب سيرته وليام راولي، فإن الرواية تمثل الجزء الأول (حيث توضح تصميم الكلية أو المؤسسة الكبرى المخصصة لتفسير الطبيعة)  لما كان سيصبح مشروعاً أطول وأكثر تفصيلاً (وصف كامل للبنية القانونية والتنظيم السياسي للكومنولث المثالي). وبذلك فإن هذا العمل يحل مكان التقاليد القديمة للرواية الإصلاحية الفلسفية الممتدة من إفلاطون ومور إلى هكسلي وسكنر.

الحبكة أو الخرافة الضعيفة هي أكثر قليلاً من غلاف قصصي لاحتواء المضمون الحقيقي في حكاية بيكون: الوصف التفصيلي لبيت سالومون (والذي يعرف أيضاً بكلية أعمال الأيام الستة)، وهو مؤسسة بحثية منظمة مركزياً تقوم فيها فرق مدربة خاصة من المحققين بجمع البيانات وإجراء التجارب و(الأهم من وجهة نظر بيكون) تطبيق المعرفة التي اكتسبوها لتقديم "الأشياء للاستخدام والممارسة في الحياة الإنسانية". تلك الفنون والاختراعات الجديدة تشترك في النهاية مع العالم الخارجي.

توشك أطلانطا الجديدة من ناحية عناصر المغامرة العلمية – القصصية فيها، أن تكون مخططاً مثيراً لإعادة تنظيم حكومة أو جامعة. أما من ناحية تأثيرها التاريخي، فقد أثبتت الرواية بأنها ليست إلا عمل ثوري، فلم تعمل فقط كإلهام فاعل ونموذج للجمعية الملكية البريطانية، ولكن أيضاً كمخطط مبكر ونبوءة بالمركز البحثي الحديث والمجتمع العلمي الدولي.

 ‌ج)    أعماله العلمية والفلسفية

ليس من السهل أبداً إيجاز فكر فيلسوف خصب واسع، إلا أن بيكون يسهل المهمة إلى حد ما من خلال عاداته المفيدة في التصنيف النظامي وتصنيف الذاكرة بشكل جذاب. (بالتالي، وعلى سبيل المثال، هناك ثلاث "اعتلالات" – أو أمراض – في العلم وأحد عشر خطأً وأربعة "أوهام" وثلاثة قدرات ذهنية ابتدائية وفئات معرفية، الخ). في الواقع، فبإتباع طرق بيكون نفسه من الممكن عمل ملخص أو مراجعة مناسبة لأفكاره العلمية والفلسفية الرئيسية.

 ‌د)      الإحياء العظيم

مع بداية العام 1592، وفي رسالة شهيرة إلى عمه، اللورد بيرغلي، صرح بيكون أن "جميع المعارف الإنسانية" من اختصاصه وكرس التزاماته المهنية من أجل خطة للإصلاح العلمي وإعادة تنظيمه بشكل شامل. وحقيقة الأمر، أنه نذر نفسه إلى مشروع طويل الأمد للإصلاح الفكري، ويمكن النظر إلى الاعتدال في مسيرته على أنه جهد متواصل للأداء الجيد لذلك العهد. في عام 1620، وعندما كان في قمة نجاحه السياسي، أصدر أول شرح وخطة لعمل ضخم كان سيلبي طموحاته التي أعلن عنها من قبل. العمل أهداه إلى جيمس، وكان المفروض أن يسمى "الإحياء العظيم" (أي "الصرح العظيم") وكان سيمثل نوعاً من البحث الشامل أو ذروة أفكار بيكون حول مواضيع تتراوح من المنطق ونظرية المعرفة إلى العلوم التطبيقية (أو ما كان يعرف في أيام بيكون بـ"الفلسفة الطبيعية"، حيث لم تكن كلمة العلم في ذلك الوقت سوى مرادف للـ"حكمة" أو "التعلم").

وكما هو الحال مع سائر مشاريع بيكون، فإن "التجديد" في شكله المأمول لم يكن مكتملاً. فمن الأجزاء الستة المقصودة، تم إكمال الجزئين الأولين فقط، بينما الأجزاء الأخرى أُكمِلَت جزئياً أ, أو استُهِلَّت بصورة هزيلة. نتيجة لذلك، فإن العمل كما هو أمامنا الآن أقل كعمل ضخم إلا أنه أثر منحوت بمهارة كما تخيله بيكون منه نوعاً من المزيج الفلسفي أو أي مزيج آخر.  الجزء الأول من المشروع، قيمة العلم والنهوض به ("تسعة أجزاء في قيمة العلم والنهوض به")، صدر عام 1623. في الأساس هو نسخة موسعة من كتاب كفاءة العلم والنهوض به، الذي قدمه بيكون لجيمس في 1605. أما الجزء الثاني، الأورغانون الجديد يعطي تفسيراً وشرحاً مفصلين للمؤلف حول الإجراءات الصحيحة لتفسير الطبيعة. لقد ظهر أولاً عام 1620. ويقدم هذان العملان سوية العناصر الرئيسية لفلسفة بيكون، ومن ضمنها معظم الأفكار والمبادئ الرئيسية والتي أصبحنا نرفقها مع مصطلحي "البيكوني" والبيكونية".

 ‌ه)      النهوض بالعلم

رأى بيكون تقريباً في بداية مسيرته، وبسبب التقديس المفرط للتاريخ (بالإضافة إلى الانهماك الزائد في المظاهر والتوافه) أن الحياة الفكرية لأوربا وصلت إلى طريق مسدود أو توقف تام نوعاً ما. إلا أنه اعتقد بوجود طريق ما وراء هذا الركود إذا فتح المتعلمون، المتسلحون بالطرق والرؤى الجديدة، عيونهم بكل بساطة وعقولهم إلى العالم من حولهم. وبتعبير أدق، فإن هذا كان خلاصة بذرة رسالته لعام 1605 الموسومة كفاءة العلم والنهوض به، والتي قد تكون أول عمل فلسفي مهم ينشر باللغة الإنكليزية.

ففي هذا العمل رسم بيكون المشاهد والأفكار الرئيسية  التي استمر في تنقيحها وتطويرها طوال مسيرته، مبتدءاً من فكرة وجود عوائق واضحة أمام أمراض أو اعتلالات في العلم يجب تجنبها أو تطهيرها قبل أن نتمكن من التقدم أكثر.

 ‌و)     أمراض العلم

"لذلك هناك ثلاثة توافه في الدراسات، وهي أكثر ما يسبب انتقاداً لاذعاً للعلم". وهكذا كان بيكون، في كتابه الأول النهوض. فهو يستمر في الإشارة إلى تلك التوافه بـ"الأمراض" الثلاثة للعلم ويعرفها (بأسلوبه المميز) وهي "العلم الخيالي" و "العلم المشاكس" و "العلم الضعيف" (ويعطيها تعريفاً آخر بأنها "التخيلات العقيمة" و "المجادلات غير المجدية" و "المشاعر التافهة").

من خلال العلم الخيالي ("التخيلات العقيمة") خطط بيكون لما نسميه اليوم بالعلم الزائف، أي تلك المجموعة من الأفكار التي تفتقر إلى أي أساس واقعي أو مادي والتي من أبرز من اعترف بها هم السحرة والدجالين والتي يُحجب عنها الانتقاد الخارجي بعناية والتي كثيراً ما تُقدَّم إلى جمهور المؤمنين الحقيقيين السذج. في أيام بيكون كان ذلك "العلم الخيالي" مألوفاً على شكل تنجيم أو سحر طبيعي أو كيمياء بمفهومها القديم.

ومن خلال العلم الأحمق ("المجادلات غير المجدية") كان بيكون يشير بشكل رئيسي إلى الفلسفة والنظرية اللاهوتية الأرسطوطاليسية وبشكل خاص إلى التقليد المدرسي في المماحكة المنطقية و المراوغة الميتافيزيائية. إلا أن التعبير ينطبق على أي مسعى فكري هدفه الرئيسي ليس معرفة جديدة أو فهم أعمق بل جدل لا ينتهي لمجرد الجدل.

العلم الضعيف ("المشاعر التافهة") كان تصنيف بيكون للإنسانية الجديدة الذي يبدو (بنظره) معنياً ليس بالاستخلاص الحقيقي للنصوص القديمة أو استرداد المعرفة القديمة بل بمجرد إحياء الزخرفة البلاغية السيسيرونية واستنساخ الأسلوب النثري الكلاسيكي. ذلك الاستغراق في "الكلمات أكثر من الموضوع" مع "إمكانية اختيار التعبير" و "الإخفاق الجميل للعبارات" – باختصار، بالأسلوب على حساب الفحوى – كان يبدو لبيكون (صاحب الأسلوب الرائع بجهده الخاص) العيب الأدبي الأكثر إغراءً وانحطاطاً في عصره.

هنا ممكن أن نلاحظ ومن خلال وجهة نظر بيكون أن "أمراض" العلم تقتسم خطأين رئيسيين:

1-  سخاء الإبداع – أي أن كل مرض يمثل ضياع كبير للموهبة يؤسف عليه، حيث تستنفذ العقول المبدعة، التي يمكن توظيفها في مهن أكثر إنتاجاً، طاقتها على أعمال تافهة أو صبيانية بدلاً من ذلك.

2-   النتائج العقيمة – أي أنه بدلاً من المساهمة في اكتشاف معرفة جديدة (وبالتالي في "نهوض علمي" عملي وفي النهاية في حياة أفضل للجميع)، فإن أمراض العلم هي جوهرياً تمارين في الإعجاب بالنفس الذي يهدف إلى ما هو أقل بقليل من تنظير الوهم أو المحافظة على الأشكال القديمة للمعرفة.

اختصاراً، من وجهة نظر بيكون فإن الأمراض تعيق التقدم الفكري الحقيقي من خلال استدراج المفكرين الموهوبين في مغامرات غير مثمرة أو وهمية أو أنانية. المطلوب هو – وهذا هو موضوع تكرر في جميع كتاباته اللاحقة حول التقدم العلمي والبشري – برنامج لإعادة توجيه نفس تلك الطاقة الإبداعية نحو اكتشافات اجتماعية نافعة جديدة.

‌ز)     فكرة التقدم

بالرغم من صعوبة تحديد تاريخ ولادة فكرة ما بدقة، إلا أن الفكرة الحديثة للـ"تقدم" التكنولوجي (كتقدم مستمر تراكمي تاريخي في معرفة علمية تطبيقية) بدأت مع كتاب بيكون النهوض بالعلم وأصبحت مفصلة بشكل كامل في أعماله اللاحقة.

المعرفة هي قدرة، وعند تجسيدها بشكل مخترعات تقنية واكتشافات ميكانيكية جديدة تكون هي القوة التي تقود التاريخ – تلك كانت وجهة نظر بيكون الرئيسية. كانت هذه الفكرة من عدة جوانب أعظم اكتشافاته وهي الأكثر تميزاً من بينها جميعاً كونها قد فُهِمت وتطورت في وقت كان فيه معظم المفكرين الإنكليز والأوربيين إما يبجلون الإنجازات الأدبية والفلسفية السابقة أو يأسفون بشدة على تفاقم مؤشرات الانحلال والانحدار الجديدين. حقيقةً، بينما كان بيكون يبشر بالتقدم ويعلن بزوغاً علمياً رائعاً جديداً، فإن الكثير من زملائه كان مقتنعاً أن العالم في أحسن أحواله مواصلاً صريره نحو حالة من الخرف المستكين والظلام النهائي. "عصرنا حديدي، وصدئ كذلك،" يقول جون دون، متفكراً في مؤشرات فساد الكون في إحدى قصائده التي نشرت بعد ست سنوات من كتاب النهوض بالعلم لبيكون.

قد يكون ذلك التاريخ تقدمياً بالفعل، أي أنه في تقدم إلى الأمام وإلى الأعلى – وليس كما اعتقد ارسطوطاليس، يدور فحسب أو، كما افترض المثقفون المتشائمون من أمثال هيسيود وسبلينغر، في حركة تنازلية أو تراجعية، وأصبح بالنسبة لبيكون مادة للإيمان الدنيوي الذي دعا له بقوة بروتستانتية وحس رسالي. قُدِّمَت الفكرة في النهوض بالعلم بشكل تجريبي، كنوع من فرضية مفعمة بالأمل. إلا أنه يصبح تقريباً قدراً موعوداً في الأعمال اللاحقة، مثل الأورغانون الجديد: حيث يصر بيكون على أن التنوير والعالم الأفضل يقعان ضمن قدرتنا، ولا يتطلبان أكثر من التعاون بين الناس المتعلمين والتطور الإيجابي للعلوم والآداب.

 ‌ح)    إعادة تصنيف المعرفة

يلخص بيكون في الجزء الثاني من قيمة العلم والنهوض به (النسخة الموسعة من النهوض بالعلم) مشروعه لتوزيع جديد للمعرفة الإنسانية ضمن ثلاث فئات أساسية هي: التاريخ والشعر والفلسفة (حيث يربطها على الترتيب مع "قدرات" العقل – الذاكرة والخيال والإدراك). وبالرغم من أن الدافع الحقيقي وراء إعادة التصنيف هذه ما زال غير واضحاً، فإن من أهم نتائجه الرئيسية يبدو واضحاً: فهو يرفع، وبشكل مؤثر، الفلسفة – وخصوصاً العلم البيكوني – فوق الفرعين الآخرين للمعرفة، جوهرياً يعرف التاريخ على أنه مجرد تراكم للحقائق الحيوانية، بينما يختزل الفنون والأدب الخيالي إلى حالة أكثر هامشية من "التاريخ المختلق".

آمن بيكون بشكل واضح أن من أجل تحقيق نهضة علمية حقيقية حقيقي، لابد من رفع نفوذ الفلسفة (وخاصة الفلسفة الطبيعية)، بينما يجب التقليل من نفوذ التاريخ والأدب (أي الإنسانيات). ويحقق مخطط بيكون هذا الأمر بشكل فعال من خلال جعل التاريخ (مجال الحقيقة، أي كل ما قد حدث) التصنيف الثانوي للفلسفة (مجال الإمكانية الواقعية، أي كل ما يمكن أن يحدث نظرياً أو فعلياً). في نفس الوقت، فإن الشعر (مجال كل ما يمكن تخيله أو فهمه) قد اتجه جانباً كمجرد أداة جمالية، وأصبح في جوهره وسيلة لبعث الأحداث أو مسارحها من الماضي (كما في المسرحيات التاريخية أو الشعر الملحمي) أو استعارة أو مسرحة أفكار جديدة أو احتمالات مستقبلية (كما في مثال بيكون المشوق على "الشعر المكافئ"، أطلانطا الجديدة).

 ط)    الأورغانون الجديد

أعطى بيكون الجزء الثاني من الإحياء العظيم عنوان الأورغانون الجديد (أو "اتجاهات حقيقية تتعلق بتفسير الطبيعة"). أورغانون كلمة إغريقية تعني "آلة" أو "أداة"، إذ أن بيكون أحس بوضوح أنه كان يقدم أداة جديدة لتوجيه وتصحيح العقل في بحثه عن الفهم الحقيقي للطبيعة. ويلمح العنوان كذلك إلى أورغانون أرسطوطاليس (تلك المجموعة التي تتضمن مقولاته وضروراته السابقة واللاحقة) وبالتالي يقترح "أداة جديدة" مقدرة للتفوق على أو استبدال الأداة القديمة التي لم تعد ذات فائدة. (فكرة التفوق على السلطة القديمة هذه مصورة ببراعة على غلاف الأورغانون الجديد، وهي عبارة عن سفينة تبحر بجرأة إلى ما وراء التماثيل الأسطورية لهرقل والتي كان يعتقد أنها تؤشر نهاية العالم المعلوم).

لم يُقدَّم الأورغانون الجديد على شكل بحث أو شرح منهجي، وإنما سلسلة من الحكم، ذلك التكنيك الذي بدأ بيكون بالانحياز له كونه أقل شرعية ودجماطيقيةً وأغنى في عزمه الحقيقي على التجربة العلمية والتحقيق النقدي. إن أسلوب الحكمة، ممتزجاً مع موهبة بيكون في الاستعارات والرموز التوضيحية، جعل الأورغانون الجديد في عدة أمكنة العمل الأكثر قراءة وانتشاراً من بين كافة أعمال بيكون العلمية والفلسفية.

 ‌ي)   الأوهام

في الجزء الأول من الأورغانون الجديد (الحِكَم 39 – 68)، قدم بيكون مذهبه الشهير "الأوهام". وهي أخطاء مميزة أو ميول طبيعية أو عيوب تكتنف العقل وتمنعه من فهم الطبيعة بشكل كامل ودقيق. وقد لفت بيكون النظر إلى أن تمييز الأوهام وتعطيلها له في دراسة الطبيعة نفس أهمية إقرار البراهين الرديئة ودحضها في المنطق. لقد استخدم كلمة "الوهم" عرضياً – من الكلمة اليونانية ("الصورة" أو الشبح") – ليس بمعنى الإله المزيف أو الوثنية بل بالمعنى المستخدم في فيزياء أبيقور. بالتالي، فإن أوهام بيكون هي مخادعة كامنة أو مصدر لسوء الفهم، خصوصاً تلك التي تشوب أو تربك معرفتنا للحقيقة الخارجية.

يحدد بيكون أربع فئات مختلفة من الأوهام. ينشأ كل منها من مصدر مختلف، ويُظهِر مخاطره ومصاعبه الخاصة به.

1-  أوهام القبيلة. وهذه هي النقائص والميول الطبيعية الشائعة في الطبيعة الإنسانية. ولأنها فطرية، فلا يمكن التخلص منها نهائياً، ولكن فقط إقرارها والتعويض عنها. من أمثلة بيكون على هذا النوع من الأوهام:

·        حواسنا – الغبية بالفطرة والتي يمكن بسهولة خداعها. (والتي بسببها يصف بيكون أدوات وطرق تحقيق دقيقة لتصحيحها).

·   ميلنا لإدراك (أو حتى فرض) نظام في الظواهر أكثر مما هو في الواقع. وكما يلمح بيكون، نحن ميالون إلى إيجاد تشبيه عندما يكون هناك في الواقع تفرد، ونظامية عندما تكون هناك في الواقع عشوائية، وهكذا.

·        ميلنا نحو "التفكير التواق". فحسب بيكون، لدينا ميل طبيعي لقبول وتصديق وأيضاً إثبات ما نود أن يكون صحيحاً.

·        ميلنا للاندفاع نحو استنتاجات وتكوين أحكام غير ناضجة (بدلاً من جمع الأدلة بشكل تدريجي وباجتهاد).

 2-  أوهام الكهف. على عكس أوهام القبيلة، الشائعة لدى كافة الناس، فإن أوهام الكهف تختلف من شخص لآخر. إنها لا تنشأ، بتعبير أدق، من الطبيعة بل من الثقافة وبالتالي تعكس التحريفات والتحيزات والاعتقادات الغريبة التي نحن جميعاً نخضع لها بسبب اختلاف الانحدارات العائلية وخبرات الطفولة والتعليم والتدريب والجنس والدين والطبقة الاجتماعية وغيرها. ومن الأمثلة على هذا النوع من الأوهام:

·        الولاء الخاص لأحد فروع المعرفة أو لنظرية معينة.

·        الاحترام العالي للقليل من السلطات المنتقاة.

·        عقل "مستنسخ" – أي، الميل إلى اختزال أو حصر الظواهر ضمن حدود تدريبنا أو معرفتنا الضيقة.

 3-  أوهام السوق. وهذه هي معيقات التفكير النقي التي تنشأ، كما يقول بيكون، من "اتصال وترابط الناس مع بعضهم". المتهم الرئيسي هنا هو اللغة، بالرغم من عدم كونها خطاب عام، ولكن أيضاً (وربما على وجه التحديد) المحادثات والمفردات واللهجات الخاصة للجمعيات والمعارف الأكاديمية المختلفة. ويلمح إلى أن "الأوهام التي تفرضها الكلمات على الفهم تنقسم إلى نوعين": "هي إما أسماء لأشياء غير موجودة" (مثلاً كرات الكريستال في كوزمولوجيا أرسطوطاليس) أو أسماء ذات عيوب أو غامضة أو مظللة لأشياء موجودة (حسب بيكون، خواص نظرية ومصطلحات قيمة – مثلاً "الرطوبة" و "المفيد" وغيرها – ممكن أن تكون مصدراً هاماً للإرباك).

4-  أوهام المسرح. كما هو الحال مع أوهام الكهف، فإن هذه الأوهام مكتسبة ثقافياً أكثر من كونها فطرية. وبالرغم من أن استعارة المسرح تقترح محاكاة مصطنعة للحقيقة، كما في الدراما أو الرواية، إلى أن بيكون يوضح أن هذه الأوهام تنشأ بشكل رئيسي من مخططات أو أنظمة رئيسية للفلسفة – وخصوصاً من ثلاثة أنواع من الفلسفة هامة:

·    الفلسفة السفسطائية – أي الأنظمة الفلسفية المستندة فقط إلى عدد قليل من المشاهدات العرضية (أو ليس على دليل تجريبي مطلقاً) وبالتالي تُبنى بشكل رئيسي من براهين وتأملات نظرية. ويستشهد بيكون بالمدرسية كمثال واضح على ذلك.

·   الفلسفة التجريبية – أي النظام الفلسفي المستند في النهاية إلى نظرة رئيسية مفردة (أو إلى قاعدة بحثية ضيقة جداً)، والتي تقام بعد ذلك في نموذج أو مثال لتفسير الظواهر من كافة الأنواع. ويستشهد بيكون بمثال وليام جلبرت الذي أقنعته تجاربه على المغنطيس أن المغنطيسية تعمل كقوة خفية فعلية لكافة الظواهر على الأرض.

·   الفلسفة الخرافية – وهذا هو تعبير بيكون عن نظام فكري يمزج بين اللاهوت والفلسفة. ويستشهد بيكون بفيثاغورس وإفلاطون كمذنبين في هذا المجال، ولكنه يشير بإصبعه كذلك إلى الجهود المعاصرة الممتازة، المشابهة للخلقيين في أيامنا هذه، لتأسيس أنظمة للفلسفة الطبيعية حول سفر التكوين أو كتاب الوظيفة.

 ‌ك)    الاستقراء

يقدم بيكون، في مستهل كتابه الإحياء العظيم والجزء الثاني من الأورغانون الجديد، نظامه في "الاستقراء الصحيح المتكامل"، والذي يفترضه أساساً للنظرية العلمية وأداة ضرورية لتفسير الطبيعة بالشكل المناسب. (وكان من المفروض أن يتم شرح هذا النظام بشكل كامل وتوضيحه في الجزء الرابع من التجديد في الفصل المعنون "سلم العقل"، إلا أن العمل ولسوء الحظ لم يتعدَّ التعريف).

وحسب بيكون، فإن نظامه لا يختلف فقط عن المنطق والولع الاستنتاجي للقياسات المنطقية لدى المدرسيين، بل أيضاً عن الاستقراء الكلاسيكي لأرسطوطاليس وباقي علماء المنطق. فالاستقراء الكلاسيكي، وكما يشرحه بيكون، يتقدم "سوية من ... حس وجزئيات إلى فرضيات أكثر عمومية" ومن ثم يعمل باتجاه معاكس (من خلال الاستنتاج) ليصل عند فرضيات وسطية. وبالتالي، وعلى سبيل المثال، يمكن للفرد ومن خلال مشاهدات قليلة أن يستنتج (من خلال الاستقراء) أن "كافة السيارات الجديدة لماعة". ويستمر بعد ذلك باتجاه معاكس من هذه البديهية العامة لاستنتاج بديهيات المستوى المتوسط تلك من مثل "كافة سيارات المرسيدس الجديدة لماعة" أو "كافة سيارات التويوتا الجديدة لماعة" ... إلخ – وهذه البديهيات من المفترض أن لا تكون بحاجة إلى التحقق منها تجريبياً بما أن حقائقها مضمونة منطقياً ما دام التعميم الأصلي "كافة السيارات الجديدة لماعة" صحيحاً.

وكما يلمح بيكون بشكل دقيق، فإن إحدى مشاكل هذا الإجراء هي إذا ثبت خطأ البديهيات العامة، فإن كافة البديهيات الوسطية قد تكون خاطئة أيضاً. كل ما تحتاجه هو مثال معاكس واحد (في هذه الحالة سيارة واحدة جديدة طلاؤها باهت) و "ينهار الصرح بكامله". ولهذا السبب يصف بيكون مسلكاً مختلفاً. طريقته هي التقدم "بشكل منتظم وتدريجي من بديهية إلى أخرى، بحيث لا يتم الوصول إلى الأكثر عمومية حتى النهاية". بعبارة أخرى، فإن كل بديهية – أي كل خطوة إلى الأعلى في "سلم العقل" – تُختَبَر بالكامل بالمشاهدة والتجربة قبل اتخاذ الخطوة التالية. في الواقع، فإن كل بديهية مؤكدة تصبح موطئ قدم لحقيقة أعلى، وتمثل البديهيات الأكثر عمومية آخر مراحل العملية.

بالتالي، وفي المثال الموصوف، فإن المحقق البيكوني سيكون مضطراً لفحص جرد كامل لسيارات الشيفروليت والمرسيدس والتويوتا... الخ الجديدة قبل أن يتوصل لأي استنتاجات حول السيارات الجديدة عموماً. وبينما يقر بيكون أن تلك الطريقة قد تكون مجهدة، فإنه يثبت أنها تقدم بالنهاية صرحاً مستقراً للمعرفة بدلاً من البناء المتقلقل الذي ينهار عند ظهور مثال واحد غير مؤيِّد. (في الواقع، وحسب بيكون، عندما يتبع الشخص إجراءاته الاستقرائية، يصبح المثال السلبي في الواقع شيئاً مرحَّباً به وليس يخاف منه. لأنه بدلاً من تهديد كامل أجزاء المجموعة، فإن اكتشاف التعميمات الخاطئة يوفر على المحقق مشكلة وجوب الاستمرار أكثر في اتجاه معين أو في خط تحقيقي. وفي نفس الوقت، فإن تركيب الحقيقة التي بناها تواً تبقى سليمة).

إذن، هل أن نظام بيكون هو إجراء سليم يعتمد عليه، وسلم متين يؤدي إلى استنتاجات حقيقية "محتومة" من جزئيات مرصودة بعناية؟ بالرغم من أن بيكون نفسه كان مؤمناً بشدة بفائدة طريقته وتفوقها الشامل، فإن الكثير من المعلقين عليه وناقديه راودتهم الشكوك في ذلك. لشيء واحد، هو عدم اتضاح أن الإجراء البيكوني، كما هو، يؤدي بشكل قطاع إلى أي افتراضات عامة، وبالتأكيد ليس إلى مبادئ علمية أو تعبيرات نظرية ممكن أن نتقبلها كحقيقة كونية. لأنه عند أي نقطة يرغب المحقق البيكوني في عمل قفزة من الجزئيات المرصودة إلى التعميمات النظرية؟ بعد عشرة أمثلة؟ ألف؟ الحقيقة هي أن طريقة بيكون لا تقدم شيئاً لتوجيه المحقق في هذا التحديد غير الغريزة المجردة أو الحكم المهني، وبالتالي يكون الميل للتحقيق عن الجزئيات – الرصد الرتيب وجمع المعلومات – للاستمرار بشكل مستمر وإلى ما لا نهاية في الواقع.

لذلك يستطيع الشخص بسهولة أن يتخيل السيناريو الذي يصبح فيه تكديس الأمثلة ليس فقط المرحلة الابتدائية في العملية، بل الجوهر الأهم للعملية نفسها، وفي الواقع، بحث متحمس عن الحقائق (في الأورغانون الجديد يشبه بيكون ببراعة الباحث البيكوني المثالي بالنحلة النشطة) يصبح ليس فقط وسيلة للمعرفة، بل فعالية تُتَّبع بقوة لهدف ذاتي. كل عالم وأكاديمي يعلم كم هو مغر التخلي عن العمل الشاق للتفكير الخيالي من اجل مواصلة إجراء بعض البحوث الروتينية. وكل محقق يعلم كم هو بسيط أن ينهمك في بيانات –  وينتهي إلى النتيجة الحزينة بأنه أراد ارتقاء السلم البيكوني لكنه بقي ملازماً لحقائق دنيوية ولن يترك الأرض مطلقاً.

لم يكن هناك شك بأن اعتبارات كتلك التي حثت الفيزيائي الانكليزي (والأرسطوطاليسي الجديد) وليام هارفي، المعروف باكتشافه للدورة الدموية، على ملاحظة أن بيكون كتب عن الفلسفة الطبيعية "قاضي القضاة" – في الواقع كسياسي أو مشرِّع أكثر منه صاحب مهنة. التقييم ينتهي إلى أن يوصي بيكون فعلاً في الأورغانون الجديد بإجراء جديد صارم جداً للتحقيق عن الطبيعة بدلاً من وصف الطريقة الأكثر أو الأقل غريزية أو ارتجالية – وأبداً غير مقصورة على التجريب – التي كان يستخدمها بالفعل كيبلر وغاليلو وهارفي نفسه بالإضافة إلى علماء عاملين آخرين. وفي الحقيقة، وباستثناء تايكو براها، الفلكي الدنماركي الذي عندما كان مشرفاً على فريق من المساعدين رصد بإخلاص ودوَّن باجتهاد الحجوم الكلية للبيانات الفلكية في جداول مرتبة ومنسقة، من غير المؤكد أن تكون هناك شخصية بارزة أخرى في التاريخ العلمي قد استخدمت مصطلح البيكونية الحقيقية الأصيلة بالشكل المنطقي. (صحيح أن دارون ادعى أن كتابه أصل الأنواع استند إلى "المبادئ البيكونية". إلا أن جمع الأمثلة من اجل مقارنة الأنواع وبيان العلاقة بينها شيء والتنظير لميكانيكية، وبالتحديد النشوء من التحول الإحيائي والانتقاء الطبيعي شيء آخر تماماً، يفسر مجمل تاريخها وأنواعها بأناقة وقدرة عالية).

العلم، بتعبير أدق، لا وربما لم يتقدم أبداً وفقاً لطريقة بيكون في الرصد والاستقراء الصارمة والتدريجية والكادحة أبداً. فهو يتقدم بقفزات ووثبات غير متوقعة – وفي الغالب حدسية وحتى (رغم أن بيكون يتحرج من الكلمة) خيالية. استخدم كبلر البيانات التي جمعها تايكو بتدقيق عالي لدعم إيمانه المحسوس قلباً والغامض أيضاً بأن حركات الأجسام السماوية منتظمة ومتناظرة، مؤلفة تجانساً حقيقياً للكواكب السيارة. وقذف غاليلو أوزاناً مختلفة من البرج المائل فقط ليظهر للناس الحقيقة (المغايرة لأرسطوطاليس) بأن سقوطها يكون بنفس السرعة. لقد انتظر طويلاً قبل أن يقنع نفسه بأن هذا سيحدث من خلال طريقة شبه – مضادة للبيكونية للإدراك الرياضي والتجربة الفكرية الاستنتاجية. وعلِمَ هارفي، بعملية مشابهة في التحليل الكمي والمنطق الاستنتاجي أن الدم لابد أن يدور، وكان لابد من دليل على هذه الحقيقة مما جعله يضع نفسه في المهمة الثانوية في جمع الأدلة التجريبية وترسيخ الطريقة الحقيقية التي بها تبرهن على ذلك.

يمكن للفرد– في الأسلوب البيكوني الحقيقي – أن يحصي الكثير من الأمثلة الأخرى. إلا أن الفكرة موجودة: لم يتحقق النهوض بالمعارف العلمية في الغالب من خلال استقراء بيكون (الذي يعادل نوعاً من الدراسة النظامية الشاملة للطبيعة التي من المفترض أن تؤدي إلى نظرات نهائية) بل من خلال تلميحات وتخمينات ذكية – أي فرضيات – إما مؤيَّدة أو (بتعبير كارل بوبر المهم) مدحوضة ببحث لاحق.

خلاصة القول إذن، يمكن أن نقول أن بيكون استخف بدور الخيال والفرضيات (وبالغ في تقدير قيمة المشاهدات الدقيقة وجمع البيانات كالنحلة) في تكوين معرفة علمية جديدة. وفي هذا الخصوص، صحيح أنه كتب في العلم بأسلوب يليق بقاضي القضاة، حيث يصرح بفخامة عن فوائد تكنيكه الجديد الذي توقع له أن يكون مضمون النتائج بدلاً من إقرار واعتماد إجراءات مختبرة ومتفق عليها. من جهة أخرى، يجب أن نضيف أن بيكون لم يقدم نفسه (أو طريقته) كسلطة نهائية حول التحقيق عن الطبيعة أو، لهذا الشأن، حول أي موضوع أو مسألة أخرى لها علاقة بالنهوض بالمعرفة. وباعترافه الخاص هذا، لم يكن إلا عازف بوق لتلك النهضة الانفجارية – وليس مؤسس أو باني النظام الجديد العظيم، بل فقط المذيع أو الرسول المعلِن عن قدوم العالم الجديد.

 3-    السمعة والإرث الثقافي

إذا كان هناك رجل يستحق لقب "نابغة الكون" أو "رجل عصر النهضة أو الرجل متعدد المواهب" (الوسام التقليدي الذي يعانق صدور من أسهموا بفاعلية وأصالة في أكثر من فرع معرفي أو مجال علمي)، فإن بيكون هو أوضح من يستحق ذلك. فكما هو ليوناردو وغوته، قام بأعمال مهمة أدبية وعلمية. وكما هو سيسيرو وماركوس أوريليوس وبينيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون، مزج الاهتمامات الفكرية والأدبية الوفيرة الواسعة (من البلاغة العملية ودراسة الطبيعة إلى الفلسفة الأخلاقية والإصلاح العلمي) مع العمل السياسي الواقعي. وكما هو معاصره مكيافيللي، تفوق في أنواع أدبية متنوعة – من الأبحاث التي حفظها إلى التسالي الخفيفة – بالرغم من أنه، كما هو الكاتب الفلورنسي العظيم، اعتقد في نفسه كرجل دولة سياسي وحالم عملي بالأساس: ذلك الرجل الذي هدفه الأساس في الحصول على أمجاد أدبية لنفسه أقل مما في صياغة البرامج وتوجيه القرارات السياسية للنبلاء المتنفذين ومسؤولي الدولة.

في عصرنا الحالي، ينادى ببيكون على أنه "مفكر الجماهير" بالرغم من أن سجل خدماته الشخصية ومؤلفاته أصغر بكثير من إنجازات معظم الأكاديميين والقادة السياسيين في هذه الأيام. وكما هو حال معظم الشخصيات العامة تقريباً، فإنه كان مثاراً للجدل. وقد صرح وليام راولي، مرجعه الديني وأول من كتب سيرته، بأنه "مفخرة عصره وأمته" ووصفه بملاك التنوير والحلم الاجتماعي. ونظر إليه أصدقائه في الجمعية الملكية (تلك المنظمة التي عزت وحيها ونسبها إلى كتابات بيكون) على أنه ليس بأقل من المنشئ الجريء للعصر الفكري الجديد. أما الشاعر ابراهام كاولي فقد سماه "موسى" ووصف بالقائد المنزه الذي وضع بنفسه العلم فعلياً على مسلك واضح وراسخ وجديد كلياً:

بيكون في النهاية، رجل منزه

نشأ،

اختاره الملك الحكيم،

واختارته الطبيعة

قاضي القضاة لقوانينهما

البراري القاحلة التي مر بها

أوقفته على تخوم الأرض الموعودة

ومن قمم جبال عقله المنزه

رآها بنفسه وأرانا إياها

 ونفس المديح، رغم أنه كان نثراً وليس شعراً، قدمه المثقفون من معاصريه أو القريبين إليه من معاصريه من ديكارت وغاسيندي إلى روبرت هوك وروبرت بويل. وكان ليبنيز على وجه التحديد كريماً إذ لاحظ أنه، بالمقارنة مع أفق بيكون الفلسفي وخياله العالي، حتى العبقري الكبير مثل ديكارت "يزحف على الأرض". بينما في المقابل نرى سبينوزا، أحد أقرب معاصريه، ينبذ أعمال بيكون (وبالذات نظرياته الاستقرائية) بالكامل وفي حقيقة الأمر أنه رفض فكرة وجود الثورة الفلسفية العظيمة التي أسسها بيكون ورحب بها أتباعه.

وكانت استجابة عصر التنوير اللاحق منقسمة بنفس الطريقة، فأغلبية المفكرين تمتدح بيكون بسخاء بينما الأقلية المعارضة تؤنبه بل وتسخر منه أيضاً. وقد سجل الموسوعيَّين الفرنسيَّين، كل من جين دي ألمبرت ودينيس ديديرو الأفكار الرئيسية لهذه الإعادة للتقييم في القرن الثامن عشر، وبشكل رئيسي المناداة ببيكون على أنه الأب المؤسس للعصر الحديث وإبراز اسمه على واجهة الموسوعة. وبإشارات مماثلة، كرس كانت كتابه نقد العقل المتجرد لبيكون وأثنى عليه بنفس الطريقة كأحد أوائل مصممي الحداثة. في المقابل،نرى لهيغيل نظرة أكثر عتمة. ففي "محاضراته عن تاريخ الفلسفة" نراه يهنئ بيكون على فهمه وإدراكه للعقل بشكل ملموس، لكنه يعتبره في النهاية ذا شخصية فاسدة ومجرد "صائغ أوسمة". وفي نظره أن فرانسيس بيكون كان وبلا جدال فيلسوفاً ذا عقلية وضيعة (اقرأ بالذات الانكليز والمنفعيين) تعاليمه تلائم بالدرجة الأساس "الموظفين الحكوميين وأصحاب المحلات".

ومن المحتمل أن يكون أكثر تفسيرات التنوير، القابلة للفهم، لمنجزات بيكون ومكانته التاريخية هي مقالة فولتير في نتاجه رسائل عن الانكليز. فبعد الإشارة إلى بيكون على أنه أب الفلسفة التجريبية، يسترسل في تقييم ميزاته الأدبية معتبراً إياه كاتباً أنيقاً مثقفاً بارعاً، بالرغم من ميله الشديد "للثرثرة".

وهكذا تبقى سمعة وإرث بيكون مسألة خلافية حتى يومنا هذا. فبينما لا يشك أي مؤرخ للعلم والفلسفة بأهميته الكبيرة سواء كداعية للنظرية التجريبية أو كمدافع عن الإصلاح الفكري الشامل، تتفاوت الآراء كثيراً بخصوص القيمة الاجتماعية الحقيقية والأهمية الأخلاقية للأفكار التي قدمها لنا وورثنا إياها بشكل فعال. المسألة في الأساس تؤول إلى تقدير الشخص وتعاطفه مع مجمل مشروع التنوير / المنفعة. فهؤلاء الذين يشاطرون في الغالب بيكون نظرته إلى أن الطبيعة موجودة أصلاً لكي يستخدمها الإنسان وينتفع بها، وأيضاً يؤيدون رأيه بأن التحقيق العلمي يجب أن يهدف أولاً وقبل كل شيء إلى تحسين وضع الإنسان و "سعادة البشرية"، يطرونه عموماً كصاحب رؤية اجتماعية عظيمة. بينما في المقابل، هؤلاء الذين يرون أن الطبيعة هي كيان قائم بذاته، وبحالة نظامية عالية، المجتمع الإنساني ليس فيه إلا جزء، يميلون إلى اعتباره رأس الشر – المنشئ الشرير لفكرة العلم أداة للامبريالية العالمية والفتوح التكنولوجية.

إذن، من جانب لدينا شخصيات مثل العالم الإنساني والكاتب العلمي لورين إيسيلي، الذي يصور بيكون (الذي يسميه "الرجل الذي رأى من خلال الزمن") على أنه نوع من أبطال الثقافة البروميثيوسية. وهو يمتدح بيكون كونه المخترع الأكبر لفكرة العلم كمؤسسة مشاعة ومعرفة تطبيقية لخدمة الإنسانية. ومن جانب آخر، نجد كتاباً، مثل تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر ولويس همفورد ومن بعدهم جيرمي ريفكين والداعية للمساواة بين الجنسين كارولين ميرتشانت، مثلوه كأحد أكبر المتهمين المسبِّبين لما يرون أنه إرث العلوم الغربية المتواصل من العزلة والاستغلال والظلم البيئي.

ومن المؤكد أن فرانسيس بيكون موجود في مكان يتوسط الحماس للبيكونية والتشهير بها: عملاق وله عيوب. من المؤكد إنه أنشأ نظاماً عظيماً ولكنه إلى حد ما، كما كان يصور نفسه بتواضع، متحدث عظيم باسم الإصلاح العلمي وبطل العلم الحديث. في النهاية، نستطيع القول أنه كان أحد عمالقة التاريخ الفكري، وكما كان رجل دولة لامعاً وخارقاً كذلك كان فيلسوفاً.